الحكيم الترمذي
70
كيفية السلوك إلى رب العالمين
باللعنة ، ثم أعرض عنهم وتناساهم ، فكأنهم لم يكونوا ، وعينهم في ملك من ملكه ، وكأن النار لم تكن ، وكأن أهلها لم يكونوا ، ثم أقبل على أحبابه بذلك الفرح الذي كان في البدء ، فإذا ظهر ذلك الفرح منه ، وتيه في أهل الجنان ، حتى إذا انتهى الأمر إلى آخر الدرجات ، تضاعفت الجنان بما فيها نعمة وسرورا وحبورا . وهو قول جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - : « إنه ينادي : يا أهل الجنة قد بقي لكم شيء لم تنالوه ، فيقولوا : وما ذاك يا ربنا ؟ ، قال : رضواني » « 1 » ، وهو قوله تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] . فهناك انقطعت الصفات عن أهل الدارين ، وكل ما جاء من الأخبار من الكتب والرسل ، فإنما جاء بمقدار احتمال الخلق ذلك الخبر ، فإنما كان احتمال الخبر فيما يكون في هذا اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة ، فإذا انقضى هذا اليوم نصف في الموقف ، ونصف في الرأفة ؛ وانقطعت الصفة . قال له قائل : وكيف انقطعت الصفة ؟ قال : أما قرأت في التنزيل : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] فالذي خفي من قرارة العيون إنما يظهر بعد ما يطمئن أهل الجنان ؛ لأنهم في الابتداء في شغل من قبض الجزاء ، واقتسام المساكن ، والاحتواء على المملكة من الخدم والأزواج والخيام والأنهار والمتنزهات والمدائن والآجام والآكام والكثبان ، ألم تأتك الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أدنى أهل الجنة من ينظر في ملكه مسيرة ألف عام » « 2 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري باب صفة الجنة والنار . . ، حديث رقم ( 6183 ) [ 5 / 2398 ] ولفظه : عن سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن اللّه تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا » . ورواه مسلم في صحيحه ، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة . . ، حديث رقم ( 2829 ) [ 4 / 2176 ] ورواه غير هما . ( 2 ) لم أجده بلفظه ، وإنما ورد بألفاظ أخرى منها ما رواه البخاري في صحيحه باب صفة الجنة والنار . . ، حديث رقم ( 6202 ) [ 5 / 2402 ] ونصه : عن عبيدة عن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال النبي صلى اللّه عليه وسلم إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا رجل يخرج من النار حبوا -